1. مقالات
  2. البنية اللُغوية في رواية ممالك الآخرة: بين الفصحى والسينما

البنية اللُغوية في رواية ممالك الآخرة: بين الفصحى والسينما

IMG 4417

بقلم: الروائي: د. ماجد جاهين

حين نقرأ رواية ممالك الآخرةسر النبوءة والواحة المفقودة، لا نواجه نصًا أدبيًا تقليديًا، بل لغة هجينة، تقف على الحدود بين الفصحى الأدبية والإيقاع السينمائي. هذه الثنائية ليست مجرد اختيار أسلوبي، بل هي جزء من هوية الكاتب د. ماجد جاهين،الروائي السكندري وخريج قسم الجرافيك في كلية الفنون الجميلة، الذي جمع بين الفن البصري والسرد الروائي ليخلق لغة روائية جديدة.

 

بين الفصحى الكلاسيكية والإيقاع الحديث

تُكتب الرواية بلغة عربية فصحى، لكنها ليست جامدة أو متكلسة. الفصحى هنا حية، مرنة، تلتقط التعبيرات الشعرية حينًا، والعبارات المكثفة حينًا آخر. الجمل قصيرة أحيانًا، كما لو أنها “كادرات” تنتقل من لقطة إلى أخرى. وفي مقاطع أخرى، تمتد الجملة لتصبح سردًا فلسفيًا يعكس عمقًا فكريًا يختبر القارئ.

هذا التداخل يجعل النص قادرًا على مخاطبة أكثر من قارئ: محب الفصحى سيجد جمالها، والجيل الأصغر سيجد في إيقاعها المشهدي ما يقربها من السينما والألعاب البصرية.

 

لغة سينمائية على الورق

تأثير الخلفية السينمائية للمؤلف د. ماجد جاهين واضح في استخدامه للغة:

الوصف البصري: الأماكن تُبنى كما لو أن الكاميرا تدور حولها، من الصحراء الغامضة إلى المدن المنهارة.

المونتاج السردي: الانتقالات بين المشاهد لا تخضع دومًا للتسلسل الزمني، بل لتقطيع بصري شبيه بالسينما.

الإضاءة والظل: حتى على مستوى الكلمات، هناك حضور للضوء والظلام كعناصر درامية تُستخدم كما تُستخدم في الكادر السينمائي.

بهذا، تتحول اللغة من مجرد وسيلة للسرد إلى أداة “إخراجية“، تجعل النص أقرب إلى شاشة تُعرض أمام القارئ.

 

الفصحى كأداة للفلسفة

رغم الطابع المشهدي، لا تفقد الرواية عمقها الفلسفي. اللغة هنا ليست سطحية، بل قادرة على طرح تساؤلات وجودية: المستقبلتاريخ معكوس.. والزمن مجرد خط ثابت. هذه الجملة وحدها تعكس كيف تُستخدم الفصحى كوسيلة لفتح أبواب التأمل، بعيدًا عن كونها مجرد زخرف بلاغي.

 

مفارقة الأسلوب: بين الرصانة والدهشة

القوة في أسلوب جاهين أنه لا يضع القارئ أمام خيار واحد: إما لغة فلسفية معقدة أو لغة سردية بسيطة. بل يمزج الاثنين معًا. فحين يتحدث النص عن “اللوح الرابع” أو “الواحة المفقودة“، يُكتب بلغة أسطورية ذات طابع مقدّس. وحين يصف صراعًا أو مشهد مطاردة، تتحول الجمل إلى ومضات قصيرة، مشحونة بالتوتر. هذه المفارقة بين الرصانة والدهشة هي ما يمنح النص فرادته اللغوية.

 

خاتمة

ممالك الآخرةسر النبوءة والواحة المفقودة ليست مجرد تجربة في الخيال العلمي أو الأدب الديستوبي، بل هي أيضًا تجربة لغوية. نص يجمع بين قوة الفصحى ومرونة السينما، بين الشعرية والفلسفة، بين السرد الملحمي والإيقاع البصري.

بهذا المعنى، تقف الرواية كعلامة على أن اللغة العربية قادرة على أن تكون معاصرة، حية، ومواكبة لخيال المستقبل دون أن تفقد أصالتها.

 

 

 

اترك تعليقاً

رجوع إلى الأعلى