القاهرة والرياض .. “جَـناحا الإنقاذ “
عبدالله خالد الغانم
ليس في تاريخ السودان المعاصر لحظة أخطر من سقوط #الفاشر الراهنة. فالدولة التي كانت تُشكّل (قلب العمق العربي الإفريقي) تواجه اليوم خطرَ (التفكك إلى سودانين) لا بفعل صراعٍ عابرٍ على السلطة، بل بفعل تآكل متدرّج في السيادة يهدّد بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية من نهر النيل إلى بحر العرب)
وإن لم يُتّخذ قرارٌ دوليٌّ حاسم، يضع ميليشيا «الدعم السريع» تحت الفصل السابع ويمنح الشرعية لعمليةٍ أممية–إقليمية تعيد (وحدة التراب والسيادة)، فإن السودان سيتحوّل من دولةٍ مأزومة إلى (بؤرةٍ منشّطة لعدوى التقسيم) في الإقليم كلّه.
من حرب داخلية إلى جغرافيا متشظّية
منذ انفجار الصراع بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، تهاوت وظيفة الدولة المركزية تدريجيًا. ومع كلّ يومٍ من غياب القرار الأممي، يتحوّل السودان إلى خريطة نفوذٍ موازية:
- جيوب عسكرية في الغرب، سلطة إدارية في الشرق، وحكومةٍ تحاول أن تحكم من خرطومٍ تلتهمها النيران
- ما يجري ليس مجرّد حربٍ أهلية، بل عملية (تآكل مؤسّسي) تُنذر بولادة «سودانين» فعليين:
سودانٌ غربيٌّ تمسك به الميليشيا بدعمٍ لوجستي خارجي وشبكات تهريبٍ معقّدة،
سودانٌ شرقيٌّ يحاول الحفاظ على رمق الدولة عبر جيشٍ مثقلٍ بالحصار والإنهاك.
تلك ليست فرضية تحليلية، بل واقعٌ تؤكده المؤشرات الميدانية من الفاشر إلى الجنينة، ومن الموانئ المطلة على البحر الأحمر إلى الحدود مع تشاد وإفريقيا الوسطى. فالسيطرة الميليشياوية على الموارد والطرق التجارية والمناجم تصنع اقتصاد حربٍ دائم، يجعل التقسيم «وظيفة» قبل أن يصبح «قدرًا».
الدومينو الإقليمي: من دارفور إلى دلتا النيل
إنّ أخطر ما في السيناريو السوداني أنه لا يتوقف عند حدود السودان. فالغربُ الذي ينهار عسكريًا يُصدّر فوضاه إلى تشاد، والجنوبُ الذي يتفكك يُرسل نازحيه إلى إثيوبيا، والشمالُ المفتوح على مصر يفتح معها خطّ تماسٍ جيوسياسي غير مسبوق.
وهكذا يبدأ تأثير (الدومينو التقسيمي)
يتزعزع استقرار تشاد، وتتسرب الفوضى إلى الجنوب الليبي، ويصبح الساحل الإفريقي ممرًا للأسلحة والمرتزقة والذهب المهرَّب، فيما تتحول الحدود الجنوبية لمصر إلى (شريطٍ هشٍّ) يُهدّد (الأمن المائي والغذائي) في آنٍ واحد.
وفي أفضل الأحوال، سيجد المصريون أنفسهم محاصرين من الجنوب والشرق والشمال بفسيفساء من القوى المتحالفة مع محور (إثيوبيا–إسرائيل)، وهو محورٌ يملك أدوات الضغط المائي والبحري معًا:
من سد النهضة إلى الموانئ التي تُطل على البحر الأحمر وخليج عدن. إنها حالة (تطويقٍ جيو–استراتيجية) تجعل القاهرة في وضعٍ دفاعيٍّ لا سابقة له منذ حرب أكتوبر.
نحو مبادرةٍ عربية لإنقاذ الدولة لا النظام
في ظل هذا الواقع، لا تكفي الدعوات الأخلاقية ولا الوساطات الشكلية. فالمطلوب هو مبادرة (عربية–دولية ذات أنياب قانونية) تقودها الرياض والقاهرة، تقوم على ثلاث ركائز متكاملة:
1)ركيزة الشرعية الدولية: دفع مجلس الأمن لاستصدار قرارٍ جديد تحت الفصل السابع، يُدرج ميليشيا الدعم السريع كقوةٍ مهدِّدةٍ للسلم والأمن، ويُنشئ بعثةً أممية قوية بصلاحيات تنفيذية لحماية المدنيين وإعادة مؤسسات الدولة.
2)ركيزة التكامل الإقليمي: إنشاء (مركز دمجٍ استخباري سعودي–مصري–تشادي) لمراقبة الممرات الصحراوية وشبكات التهريب، مع آلية لتجفيف تمويل الميليشيات عبر الذهب والوقود والوسائط العابرة للحدود. فالمعركة ليست داخل السودان فقط، بل على أطرافه.
3)ركيزة الإعمار والانتخابات: بناء جسرٍ إنساني ممولٍ عربيًا لإعادة النازحين، وتوفير بنيةٍ انتخابية تحت (إشراف أممي–عربي) تضمن (ولادة سلطةٍ منتخبةٍ) تمثّل كل السودان وتعيد (إنتاج الشرعية) عبر الصندوق لا السلاح.
الرؤية السعودية–المصرية: هندسة الاستقرار
الرياض تمتلك الموقع والدور والقدرة على جمع الأطراف تحت مظلة الشرعية الدولية، والقاهرة تمتلك الإدراك العميق لخطورة (الانزلاق الجنوبي) على (الأمن القومي المصري). ومن تفاعلهما يمكن أن تُصاغ (هندسةُ استقرارٍ جديدة) تُغلق آخر (شقوق التفكك) في العالم العربي.
فالتحرك (السعودي–المصري) ليس انحيازًا لطرفٍ على حساب آخر، بل انحياز (لوحدة السودان ومنع تفككه) إلى (كياناتٍ وكيليّة) تحكمها البنادق لا الدساتير.
كما أن هذه المبادرة ستكون –في جوهرها– دفاعًا عن (منظومة الأمن العربي) الممتد من البحر الأحمر إلى دلتا النيل، إذ لا يمكن فصل أمن السودان عن أمن البحر الأحمر، ولا أمن البحر الأحمر عن أمن قناة السويس.
ختامًا: خيار التاريخ لا خيار الجغرافيا:
السودان اليوم ليس على مفترق طريقٍ سياسي، بل على حافة هندسة جديدة للمنطقة. فإن تُرك للانهيار، فسيتحوّل إلى (نقطة ارتكازٍ لمشروع تفتيتٍ جغرافيٍ) يتدحرج من (تصدعات الغرب الإفريقي) ويمتد إلى عمق (المشرق العربي)




اترك تعليقاً