1. مقالات
  2. ثلاثة عقود ونصف من الفساد… من يحاسب من؟

ثلاثة عقود ونصف من الفساد… من يحاسب من؟

بقلم: محمد مهلهل الياسين

دولة أنهكها التهاون

خمسة وثلاثون عامًا مرّت، تبدّلت فيها الحكومات وتعاقبت المجالس وتغيّرت الشعارات، لكن ظلّ الفساد المالي والإداري ثابتًا لا يزول.

ليست مرحلة عابرة، بل حقبة من الصمت والتواطؤ وغياب الإرادة الحقيقية للإصلاح.

المال العام نُهب، الكفاءات أُقصيت، والمحاسبة تحوّلت إلى شعار موسمي يُرفع في الأزمات ويُنسى بعدها.

أولاً: الحكومة بين التراضي والتقصير

طبقًا للمادة (98) من الدستور، تلتزم الحكومة بتقديم برنامج عملها ومتابعة تنفيذه.

لكن البرامج الحكومية المتعاقبة لم تتجاوز الورق، إذ غابت عنها المؤشرات والمساءلة، واستُبدلت المحاسبة بسياسة الترضيات.

فتم تدوير القيادات رغم الإخفاق، وغابت الكفاءة أمام الولاء، حتى أصبحت المناصب غنيمة إدارية لا مسؤولية وطنية.

«حين يُكرّم الفاشل، ويُحارب الكفء، فلا عجب أن يتجذر الفساد.»

ثانياً: المؤسسات الرقابية… رقابة بلا أنياب

أنشأ الدستور في مادته (151) ديوان المحاسبة لمراقبة المال العام، لكن دوره تقلص إلى كتابة التقارير السنوية دون متابعة أو محاسبة.

أما هيئة مكافحة الفساد، فبدت عاجزة عن إحداث أثر ملموس، وكأنها أُنشئت لطمأنة الشارع لا لحماية المال العام.

الرقابة فقدت هيبتها حين أصبحت تخشى كشف الحقيقة أكثر من الفساد نفسه.

«الرقابة التي تخاف من قول الحقيقة، تتحول إلى شريك في التزوير.»

ثالثاً: مجلس الأمة… من سلطة رقابية إلى شريك في الإخفاق

المواد (99) و(100) من الدستور منحت النواب سلطة السؤال والاستجواب.

لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى وسائل ضغط ومساومة سياسية، لا أدوات إصلاح ومحاسبة.

وبدل أن يكون المجلس حارسًا للدستور، أصبح جزءًا من معادلة الفشل، حين طغت الصراعات الشخصية والمزايدات الانتخابية على روح العمل الوطني.

«البرلمان الذي يخاف من المواجهة، لا يحمي الدستور بل يفرّط فيه.»

رابعاً: التيارات السياسية… غابت المشاريع وحضرت المصالح

التيارات التي ملأت الساحة بالشعارات، كانت حاضرة في الخطاب وغائبة في الموقف.

منها من شارك في السلطة وسكت، ومنها من عارض حين خسر النفوذ، ومنها من اتخذ الشعبوية طريقًا للنجاح الانتخابي.

سقط المشروع الوطني الجامع، وغاب الوعي السياسي المنظم، وبات المشهد محكومًا بردود الفعل لا بالرؤية.

حين يصمت الجميع… يتكلم الفساد

ما جرى خلال 35 عامًا هو فساد متراكم بتواطؤ مؤسسي:

  • حكومة ضعيفة في القرار.
  • رقابة بلا سلطة.
  • مجلس انشغل بالمناكفات.
  • وتيارات بلا مشروع وطني.

السكوت عن الخطأ جريمة، والتستر على الفاسدين خيانة للدستور.

الإصلاح لن يأتي بتدوير الوجوه، بل بإعادة بناء المنظومة الرقابية والسياسية على أسس من الكفاءة والمحاسبة.

فالوطن لا يُبنى بالمجاملات، بل بالحق والضمير، وبالجرأة على مواجهة الذات قبل الآخرين.

اترك تعليقاً

رجوع إلى الأعلى