بين فتنة الخروج وسكينة السلف.. أين نحن من منهج العلماء؟
بقلم: د. عيسى فلاح العازمي
في زمن الفتن وتضارب الأقوال، تبرز أسماء علماء ناصحوا الأمة بصدق، منهم الشيخ محمد أمان الجامي، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمهما الله، وكلاهما من رموز المنهج السلفي الصافي، دعوا إلى العلم، والطاعة بالمعروف، ونبذ الفوضى. لم يكونوا يومًا من مؤلِّهي الحكام كما يدّعي البعض، بل كانوا من الناصحين الساكتين عن الفتنة، المانعين للدماء أن تُسفك تحت رايات الجهل والتهور.
وقد فُجعنا مؤخرًا بوفاة الشيخ ربيع المدخلي رحمه الله، في 9 يوليو من هذا العام، ليُغلق برحيله فصلًا من فصول العلماء الربانيين الذين ثبتوا على منهج السلف رغم العواصف والتشويه، وواصلوا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتحذير الناس من الفتن والفرقة.
يُخطئ من يتهم هؤلاء العلماء بأنهم عملاء أو صامتون عن الظلم، فالقضية ليست طاعة مطلقة، بل طاعة في غير معصية، كما أوصى النبي ﷺ. لكنهم يدركون أن الخروج على الحاكم – وإن كان ظالمًا – يؤدي إلى مفسدة أعظم: سفك دماء، وهدم دول، وضياع أمة.
ولو تأملنا التاريخ والواقع، نرى أن كل من خرج على الحكام عبر بوابة “الثورة” أو “التغيير بالقوة” لم يُنتج إلا خرابًا. انظر إلى بلدان مزقتها دعوات الخروج: أين هم اليوم؟ هل استقرت ديارهم؟ هل أمن الناس في مساكنهم؟ أم زاد الظلم، وتضاعف القتل، وسادت المليشيات؟
وفي الجهة الأخرى، أين أولئك الذين شجعوا الناس على الفتن؟ هل قاتلوا معهم؟ هل خرجوا في الصفوف الأولى؟ لا، بل كثير منهم ظل يخطب من برجه العاجي، ويرسل البسطاء للموت، ويعود لينعم بالأمان!
علماؤنا السلف، كابن باز، والألباني، وابن عثيمين، والجامي، والمدخلي، وغيرهم، ساروا على درب الحق، قالوا: الإصلاح يكون بالعلم، والصبر، والدعاء، والنصيحة الهادئة، لا بالدم والتغرير بالناس.
وفي هذا السياق، يكفينا أن ننظر إلى واقع دول الخليج اليوم، فقد اجتمعت فيها الطاعة، والاستقرار، والأمن، ورغد العيش، مع بقاء الدين ظاهرًا، والمساجد عامرة، والمناهج قائمة على العقيدة، والدعوة متاحة. الناس يُصلّون ويصومون ويزكون، والعلماء يُفتون ويُعلّمون، والخير منتشر، وكل ذلك في ظل حكومات – رغم ما فيها من أخطاء بشرية – إلا أن الفتن لم تجد لها مدخلًا بسبب تمسك الشعوب بمنهج السلف في الطاعة والنصيحة لا الفوضى والخروج.
وهذه النعمة التي نعيشها لا تأتي عبثًا، بل هي ثمرة الصبر، والوحدة، ووضوح المرجعية الدينية، وابتعاد الناس عن الدعوات الحزبية والثورية التي دمرت غيرنا. فلنحافظ عليها ونفهم أن الطاعة بالمعروف ليست ضعفًا، بل وعيٌ واستبصار، وأن الفتنة إن اشتعلت لا تُبقي ولا تذر.
وفي الختام، نقول بوضوح:
الخروج دون قدرة دمارٌ وانتحار. نحن في حالة ضعف، والعدو يتربص، والغرب لا يرحم. لا سبيل للنهوض إلا بتقوية أنفسنا: بالعلم، بالتقنية، بالاكتفاء الذاتي، وبناء الجيوش تحت راية واحدة، لا تحت رايات الشتات. فحين نكون أقوياء، موحدين، مسلحين بعقيدة وتكنولوجيا، نستطيع أن ننهض ونُصلح، أما قبل ذلك فالهدم أسرع من البناء، والفتنة لا ترحم أحدًا



