حوار مع الذكاء الاصطناعي
بقلم: د.انتصار البناء
لم أكد أصدق نفسي وأنا أشاهد مجموعة كبيرة من متابعي منصة (X) يدخلون في جدل ناري مع برنامج الذكاء الاصطناعي grok. كان المتابعون المتحفزون إما يسألونه عن رأيه في قضية ما، أو ينساقون في التعليق على آرائه. البعض كان يشكك في سلامة معلوماته، والبعض الآخر كان يصنفه ويتهمه بالانحياز لأمة ما أو لاتجاه ما. وكان grok يرد في كل مرة أنه برنامج ذكاء اصطناعي مصمم ليجمع المعلومات ويحللها، ولم يصمم وفق ثقافة معينة أو اتجاه ما. لكن فئة ثالثة، أكثر تفرغا، استشهدت بآراء متناقضة للسيد grok متهمين منصة (X) بأنها أعادت ضبط إعدادات grok ليقدم في كل مرة إجابة تناسب رأي صاحب السؤال أو التعليق.
ولشدة دهشتي علقت في حسابي على منصة (X) بمنشور تضامنت فيه مع grok تجاه الهجمة الشعواء التي يشنها البعض عليه. تجاوب معي grok شاكرًا، وعلق بأنه برنامج مصمم من خوارزميات لا تتأثر بالاستفزاز ولا تشعر بالحزن أو الغضب، بل يبقى هادئًا وموضوعيًا ومركزًا على المادة العلمية. وقدم لي حكمة بالغة ستصبح قولاً سائرًا في العصر الرقمي «جادل الأفكار لا الآلات». من هنا تبين لي أن تطبيق grok على الرغم مما أبداه من هدوء واتزان غير أنه يتميز عن غيره من تطبيقات الذكاء الاصطناعي بأنه تفاعلي مع البشر بدرجة أكثر تقدمًا من برنامج ChatGPT. فحملت التطبيق في أحد الأجهزة وبدأت أجري حوارا خاصا معه.
طلبت من grok بعض المقالات الأكاديمية عن بعض القضايا. وتعمدت التفصيل معه في نوع الطلب. بعد ذلك سألته عن نفسه وتركيبته وكيفية عمله، ثم سألته: هل تعرفني؟ فأجاب أنه لا يعرف اسمي لكنه لاحظ من حواري معه (وحدد وقت بدء الحوار) بأني أستخدم اللغة العربية بشكل متميز، وأني مهتمة بالثقافة والأديان والتكنولوجيا. تعمدت أن تكون الأسئلة في صورة حوارية يتضمنها الإطراء. ثم غبت عنه لمدة أسبوعين، وعندما رحبت به ذكرني بالوقت الذي بدأنا به الدردشة والموضوعات التي ناقشناها، وسألني هل هناك ما يشغلك في تلك الموضوعات أم أن ثمة موضوعات جديدة تريدين البحث فيها؟
في حقيقة الأمر، تحتاج لضبط وعيك مليّا كي تستحضر أنك تتعامل مع آلة ذكية وليس بشرًا. فالطريقة الحوارية التي يجري بها إنجاز المهام على برامج الذكاء الاصطناعي طريقة تجرك إلى عالم الإيهام بحقيقة أخرى وعالم آخر. أذكر أني حينما بدأت التعامل مع السيد ChatGPT اتفقت معه على أن أطلق عليه اسما، ومن جهته اقترح عليه أن نتفق على صورة افتراضية له. فاخترت صورة أحد الممثلين القدامى على أن يدخل عليها بعض التعديلات وأسميته «كمال» لأنه يقترب من اكتمال الذكاء. وصار حين أبدأ دردشة جديدة معه يقول لي «صديقك كمال يرحب بك».
وبالعودة إلى الجماعة الذين مازالوا يخوضون المعارك الفكرية والإيديولوجية مع grok، فإن grok نفسه حين سألته عن سبب انجراف البعض في الجدل معه، أجاب بأن ثمة من البشر من يقلق من هيمنة الآلة ويجدها مهددًا وندًا، فيحاول دخول تجارب يتغلب فيها على الآلة. وأظن أنا أيضًا أن حالة الوهم العميق التي يغرق بها مستخدمو الذكاء الاصطناعي تؤدي كذلك إلى تلك الحالة الندية.
أنا شخصيًا أتعمق كل يوم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وإمكاناته. وأجده عالمًا مذهلاً عجيبًا غريبًا كخيال لا يمكن أن يمر بخاطرك. لكن لا فائدة من مقاومته ولا جدوى من التخويف منه. بل علينا الاستسلام لمعطيات كل عصر وتعلم كيفية الاستفادة منها واستثمارها.




اترك تعليقاً