ظلال الحرب العالمية الثالثة

بقلم: عمرو جوهر – كاتب صحفي مقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن
على الرغم من هذه الاتجاهات المُفعمة بالأمل، إلا أن شبح حربٍ عالميةٍ يُخيّم على السياسة الدولية، حيث تُهيئ التوترات بين القوى العظمى – وخاصة الولايات المتحدة والصين وروسيا – ظروفًا مُهيأة لسوء التقدير. فالنزاعات حول تايوان وبحر الصين الجنوبي وأوكرانيا والشرق الأوسط قد تتصاعد بسرعة، مما قد يدفع التحالفات إلى صراع مفتوح.
كما أن وجود الأسلحة النووية يزيد من المخاطر، مما يجعل أي مواجهة كارثية محتملة
الصراعات الإقليمية تحمل خطر الانتشار عالميًا، وقد تبدو الحروب في غزة أو أوكرانيا أو شبه الجزيرة الكورية محدودة جغرافيًا، ولكن في عالم شديد الترابط، يمكن للتحالفات والتنافسات أن تُحوّلها إلى بؤر اشتعال للمواجهة العالمية, يُذكرنا التاريخ بأن الحربين العالميتين بدأتا بنزاعات محلية نسبيًا خرجت عن السيطرة.
ومن العوامل الأخرى التي تُغذي مخاوف الحرب صعود القومية، ففي جميع القارات، يخاطب القادة الجماهير المحلية من خلال التأكيد على السيادة والفخر ومقاومة النفوذ الأجنبي.
وبينما تُعزز القومية الهوية، فإنها قد تُؤدي أيضًا إلى تفكير صفري، حيث ان الاعتقاد بأن مكسب دولة ما هو خسارة أخرى، هذه العقلية خطيرة في عالم مترابط، حيث غالبًا ما يكون التنازل هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا.
التكنولوجيا والحرب
ومن المفارقات أن التقدم التكنولوجي نفسه هو الذي يعزز السلام حيث يمكن أن يُفاقم الصراعات، حيث تسمح الحرب السيبرانية للدول والجهات الفاعلة غير الحكومية بمهاجمة الأنظمة المالية والبنية التحتية والمؤسسات الحكومية دون إطلاق رصاصة واحدة.
الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت تُحوّل الحرب إلى شيء أسرع وأكثر صعوبة في التنبؤ به وأقل قابلية للتحكم، قد يُشعل هجوم إلكتروني واحد يُنسب خطأً إلى الجهة الخطأ تصعيدًا بين القوى النووية.
في حين تُعزز وسائل التواصل الاجتماعي الوعي العالمي، فإنها تنشر أيضًا معلومات مضللة وتُؤجج الاستقطاب.
وتستغل الحكومات والجماعات المتطرفة على حد سواء هذه المنصات للتلاعب بالروايات، وتعميق الانقسامات، وتبرير العدوان.
إذا وقعت الأدوات الرقمية في الأيدي الخطأ، فإنها تُصبح مُسرّعات للحرب بدلًا من أن تكون ترياقًا لها.
الخيار المستقبلي
يعتمد توجه البشرية نحو السلام أو الحرب على الخيارات الجماعية في السنوات القادمة، السلام ليس حتميًا؛ بل يتطلب استثمارًا مدروسًا في الدبلوماسية والحوار والتسوية.
ويجب على الحكومات إعطاء الأولوية لاتفاقيات الحد من الأسلحة، وإحياء المؤسسات متعددة الأطراف، ووضع قواعد جديدة للتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والأسلحة السيبرانية.
في الوقت نفسه، يجب على المجتمعات محاسبة القادة، حيث يلعب المواطنون والصحفيون والمعلمون والناشطون أدوارًا حيوية في ضمان إدراك القادة للتكاليف الباهظة للحرب.
إن بناء الثقة عبر الحدود من خلال التبادل الثقافي والشراكات التعليمية والدبلوماسية بين الشعوب يمكن أن يساعد في إضعاف أسس الصراع.
إذا انزلق العالم إلى حرب كبرى أخرى، فإن التكاليف البشرية والبيئية والاقتصادية ستقزم تكاليف القرن العشرين.
الأسلحة النووية والقدرات السيبرانية المتقدمة والضغوط المناخية ستضمن دمارًا على نطاق لم نشهده من قبل.
من ناحية أخرى، إذا تمكنت الدول من التعاون – حتى لو كان التعاون ناقصًا – فستكون المكافآت غير مسبوقة: التنمية المستدامة، والقضاء على الفقر المدقع، وفرصة مواجهة التحديات العالمية معًا.
يقف العالم عند مفترق طرق بين السلام والحرب، ولا ضمان لأيٍّ من النتيجتين، فقوى العولمة والتكنولوجيا والترابط تدفع نحو التعاون، بينما تدفع التنافس الجيوسياسي والقومية والعسكرة المتسارعة في الاتجاه المعاكس.
الخيار ليس بيد الحكومات فحسب، بل بيد البشرية جمعاء، لكي ينتصر السلام، سيتطلب ذلك يقظةً ودبلوماسيةً وإدراكًا لمصيرنا المشترك، وإذا اندلعت الحرب، فلن تكون مصادفةً، بل نتيجةً للتقصير في التصرف بحكمة في وقت الضرورة.




اترك تعليقاً