1. مقالات
  2. دور قطر التاريخى فى إنهاء حرب غزة

دور قطر التاريخى فى إنهاء حرب غزة

783

بقلم: د. فاتن الدوسري

مع دخول خطة وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، التى وافقت عليها حماس وإسرائيل بمشاركة الوسطاء الثلاثة (قطر، مصر، الولايات المتحدة)، كمرحلة أولى-أساسية-لإنهاء الحرب فى غزة؛ وبحضور معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، تسجل قطر فى تاريخها الذهبى الحافل انتصاراً دبلوماسياً فريداً. 

 اضطلعت قطر بمسؤولية الوساطة فى إنهاء الحرب، كوسيط رئيسى-تقريبا وحيد- منذ الساعات الأولى للحرب، فى مفاوضات شديدة التعقيد والصعوبة والأبعاد، إذ ألقى على كاهله التوفيق بين إرادات متعارضة بشدة، وتقديم مقترحات مرضية لكافة الأطراف. وقد قبلت قطر هذا التحدى العسير، وتحملت ما لا يحتمله وسيط أبداً من عناء وضغوطات وإحباطات، وصولا لتعرض سيادة قطر لعدوان عسكري غاشم وغادر من جانب الكيان الصهيونى. وذلك انطلاقاً فى المقام الأول بمسؤولية قطر الأخلاقية والتاريخية بإنهاء حرب الإبادة فى غزة، وعودة القضية الفلسطينية إلى مسارها الصحيح بما يضمن الحقوق المشروعة للفلسطينيين، وإيماناً منها بخبرتها وقدرتها الكبيرة كوسيط حقق نجاحاً باهراً فى جميع الوساطات التى انخرط فيها والتى تقدر بالعشرات. 

وأخيراً من منطلق ثقة أطراف الصراع والقوى المنخرطة فى النزاع وعلى رأسها واشنطن، بأن لا بديل عن الوساطة القطرية التى تتميز بصفة فريدة نادرا ما يتحلى بها وسيط وهى القدرة على فتح جسور الحوار والتواصل مع الجميع مستندة على الحيادية التامة وتصفير المشكلات. إذ باعتراف الولايات المتحدة (إدارة بايدن ومن بعده ادارة الرئيس ترامب) وإسرائيل، وحماس، (قطر هى الوسيط الوحيد القادر على التواصل مع جميع الأطراف دون قيود، وإيصال أفكارنا للأطراف الأخرى وإقناعهم بها دون حتى الاتصال المباشر معهم، أكثر وسيط نثق بحياديته ورغبته الحقيقية فى إنهاء الصراع).  ألقت دولة قطر منذ اليوم الأول بكل ثقلها كوسيط فى سعى حميم لإنهاء الحرب، ربما بصورة غير مسبوقة فى سوابق وساطاتها، متمسكة بمجموعة مرتكزات هى التى تم الموافقة عليها فى خطة وقف إطلاق النار: الوقف الشامل لحرب الإبادة على غزة، انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، إدخال المساعدات والمواد الغذائية والطبية لغزة، التوصل لاتفاق شامل لتبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، خطة لإعمار وإدارة غزة فى اليوم الأول لإنهاء الحرب وعودة مفاوضات السلام على أساس حل الدولتين. وفى سبيل ذلك، انطلقت جهود الوساطة الشاملة لدولة قطر بحضور مكثف حيث شكلت غرفة عمليات واصلت الليل بالنهار لبذل الجهود الدبلوماسية من تقديم مبادرات ومقترحات عدة لطرفى الصراع، إلى جولات المسؤولين القطريين المكوكية الإقليمية والدولية فى مسعى للضغط والإقناع وحشد الجهود لإنهاء الحرب، التنديد الرسمى والإعلامى بوحشية عمليات الكيان فى غزة، لتكثيف الضغط الداخلى والدولى عليه لقبول المقترحات العادلة لإنهاء الحرب بصفته الجانب الأكثر عنداً الذى يحاول استثمار ورقة غزة لمآرب أخرى، ومشاركة فعالة فى جميع المؤتمرات والمحافل الدولية المتعلقة بإنهاء الحرب فى غزة. 

 يضاف إلى كل ذلك، تصدر غزة أولوية خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني فى جميع المحافل الدولية خاصة اجتماعات الأمم المتحدة، لأجل تنبيه العالم بأكبر مأساة إنسانية فى القرن الحادى والعشرين، وحثهم على حشد الجهود لإنهاء الحرب.

 واقع الأمر، أن جهود قطر الجبارة لم تذهب سدى، فقد أثمرت الهدنة الأولى فى نوفمبر 2023، والتى على إثرها توقفت الحرب-لمدة قصيرة- لكن وطأتها عموما قد تقلصت، وتم إدخال المساعدات لغزة بصفة يومية، وتبادل مشترك للأسرى. ويمكن القول إن اتفاق الهدنة الثانى فى يناير 2025-والذى فشل للأسف-كان ثمار جهود قطرية جبارة شملت جولات مفاوضات سابقة عبر مكتب حماس فى قطر، وتفاهمات مع الشركاء خاصة الولايات المتحدة، ورغم فشله لكنه عد خريطة الطريق والمنطلق الرئيسى المأمول لإنهاء الحرب.

 بعد انتهاء حرب الـ 12 يوما بين إيران وإسرائيل، كشفت الأخيرة النقاب عن خطة واضحة لترحيل أهل غزة عبر حرب تجويع واحتلال عسكرى شامل. ولم يؤد ذلك إلى تثبيط معنويات قطر، إذ تكثفت جهودها بوتيرة مضاعفة فى ظل وضع أصبح أكثر تعقيدا بدعم خارجى واضح؛ وهو ما تجسد فى زيادة التنديد بما تفعله إسرائيل، تكثيف الضغوط على شركاء الخارج، تكثيف التعاون مع مصر، تقديم مقترحات جديدة لإنهاء الحرب. وواقع الأمر، أن جهود قطر فى الشهور الأخيرة تحديداً كانت المحرك الأساسى فى تشكيل جبهة رفض عالمى تقودها أوروبا، وتحديدا بريطانيا-فى مفارقة عجيبة-لرفض مخطط خطة تهجير أهل غزة الكارثى، وصولاً بخطة وقف إطلاق النار بدعم أمريكى مطلق التى من شبه المؤكد انها ستطوى صفحة حرب غزة.

 اعتبرت أطراف الحرب، والمنخرطون فيها خاصة واشنطن، أن قطر هى الوسيط الرئيسى لإنهاء الحرب منذ ساعاتها الأولى، ولا يعد ذلك انتقاصاً من جهود الوسطاء الآخرين خاصة مصر التى ساهمت مساهمة قوية فى إنهاء الحرب؛ لكن من خلال ما تم سرده عن جهود قطر الجبارة لإنهاء الحرب، يمكن القول بصوت عال إن الحاضر والتاريخ سينسب لدولة قطر وساطتها التاريخية الريادية فى إنهاء الحرب على غزة.

اترك تعليقاً

رجوع إلى الأعلى