1. مقالات
  2. الكرم في غير موضعه… مذلة للكريم

الكرم في غير موضعه… مذلة للكريم

bd3761ce 9764 4991 8d56 fdc30253417c

د. عيسى فلاح العازمي

الكرم خُلق نبيل لا يليق إلا بالنفوس الكريمة، وهو سمة الرجال الذين يعرفون قدر المعروف ويشكرون فاعله. غير أن بعض الناس ابتلوا بسوء الفهم، فظنّوا أن كرم الكريم حقٌّ مكتسب لا معروف يُشكر عليه، بل عادةٌ يجب أن تستمر، وإن توقفت تغيّروا عليه وبدّلوا المودة جفاءً، وكأن المال موروثٌ لهم.

وهؤلاء أشبه بما جاء في بيت شِعر:
“ومن يصنع المعروف في غير أهله… يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر”،
فهم لا يثبتون على ودٍّ ولا يحفظون معروفًا، قلوبهم مرتبطة بما يأخذون لا بما يشعرون.

وقد أصبحت هذه النماذج اليوم أكثر وضوحًا في زمن المصالح والمظاهر، حيث يُقاس الوفاء بما تقدّمه لا بما تكنّه، وتُوزن العلاقات بميزان المنفعة لا الودّ. تراهم يقتربون منك حين تكون كريمًا معهم، ويتباعدون عندما تحفظ ما تبقّى من كرامتك ومالك، كأنّ المعروف دين واجب لا جميل يُشكر عليه.

ومن الجانب التربوي، من المهم أن نغرس في الأجيال معنى الاعتراف بالجميل، وأن نعلّم أبناءنا أن الكرم لا يُقابَل بالاستغلال، وأن ردّ المعروف خلقٌ يعبّر عن النبل والأصالة. فالقيم لا تُقاس بما نأخذ، بل بما نقدّر، ومن لا يتعلم شكر الناس لن يعرف شكر الله، كما قال النبي ﷺ: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.
وغرس هذا المبدأ في التربية هو الذي يحفظ للمجتمع توازنه، ويمنح الكرم معناه الصحيح.

إن من شيم الرجال الأوفياء أن يردوا الجميل بالعرفان، لا بالجحود، وأن يحفظوا الود ولو قلّ العطاء. أما من يكرهك إن توقفت عن الإكرام، فليس صديقاً ولا صاحب مروءة، بل طامعٌ لبس ثوب المودة حتى يُشبع حاجته.

الكرم في موضعه رفعة، وفي غير موضعه مذلة، والكريم الحكيم هو من يضع المعروف في أهله، فيصون كرامته كما يصون عطاءه، لأن الكرامة أغلى من المال، ولأن المعروف لا يُمنح إلا لمن يقدّره

اترك تعليقاً

رجوع إلى الأعلى