غزّة بعد الحرب: “حماس” تبني سلطتها بالخوف وتُشرعن وجودها بالألم
بقلم: الكاتب الفلسطيني كريم أبو الروس
ففي الوقت الذي كانت تظهر فيه صور الدم، كان الخطاب الدولي يقول شيئاً واحداً: الحفاظ على الهدوء بأيّ ثمن حتى لو بمجاملة “حماس”، كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين قال: “لقد سمحت لهم بالقضاء على بعض العصابات”.
صمت الحرب وبداية الخوف
في 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر، توقّف القصف على غزّة، بعد عامين من حرب إسرائيلية دموية أنهكت المدينة وأحرقتها، وبدأ الناس يخرجون من خيامهم كمن يختبر الضوء للمرّة الأولى. كان الهواء مشبعاً بالغبار والرماد، والهدوء ثقيلاً كأرض غادرتها الطائرات من دون أن يغادرها الخطر.
لكن بعد أيّام قليلة فقط، عاد الرعب، هذه المرّة من داخل المدينة نفسها، من الذين يزعمون حمايتها. ففي حيّ الصبرة في مدينة غزّة، ظهر تسجيل مصوّر لثمانية رجال معصوبي الأعين، موثوقي الأيدي في ساحة عامّة، خلفهم يقف مسلّحون يرتدون الزيّ الرسمي للقوّة الأمنية التابعة لـ”حماس”، بعصاباتهم الخضراء المألوفة.
ثم انطلقت الطلقات في وقت واحد، بدقّة تشبه مشاهد التدريب العسكري. زاوية الكاميرا، الإضاءة، ووضوح الصوت أعطت الانطباع أن ما حدث ليس عشوائياً، إنما كان مشهداً صُمّم ليراه الجميع، هذا ما تؤكّده بيانات “حماس” نفسها.
بحسب البيانات التي صدرت عن الحركة بعد الحادثة، اتّضح أن الإعدام الميداني لم يكن تصرّفاً انفعالياً، بقدر ما هو جزء من رسالة مقصودة، أرادت “حماس” من خلالها أن تُظهر قدرتها على الحكم بالعنف. بعد ساعات، أعلنت وزارة الداخلية التابعة للحركة أن “قوّات الردع نفّذت عمليّة دقيقة ضدّ عناصر ثبت تورّطها في جرائم قتل وتعاون مع الاحتلال”.
أثار البيان جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني، رافقته صدمة من مشهد الإعدام الميداني الجماعي، وبدا أن اللغة القانونية التي استخدمتها “حماس” كانت محاولة لتغطية العار الناتج عن المشهد العنيف.
في المقابل، أصدرت عائلة دغمش بياناً وصفت فيه ما حدث بأنه “جريمة مكتملة الأركان”، وتصفية حسابات قديمة، لكنّ البيان لم يجد طريقه إلى الإعلام المحلّي. في المقاهي والأسواق خيّم الخوف على الأحاديث، وتردّدت جملة واحدة بين الناس: “الي بإيده سلاح هو الي بيحكم”.
جاءت الإعدامات بعد أيّام قليلة من توقيع “اتّفاق شرم الشيخ” في 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، وهو الاتّفاق الذي أنهى العمليّات العسكرية بين إسرائيل و”حماس” بعد حرب إبادة استمرّت عامين، وتم توقيعه برعاية مصر وقطر وتركيا والولايات المتّحدة، ومشاركة الأمم المتّحدة، وهدف إلى فتح صفحة “مرحلة انتقالية” تُدار فيها غزّة بإشراف دولي محدود، يركّز على إعادة الإعمار وضمان الهدوء الميداني.
في الوقت الذي كانت تُجري فيه العواصم حساباتها، كانت “حماس” تعيد بناء قبضتها الداخلية. فقد ترك “اتّفاق شرم الشيخ” فراغاً سياسياً في القطاع، سرعان ما ملأته الحركة عبر إنشاء تشكيل أمني جديد سمّته “قوّة سهم”، وقدّمتها رسمياً باعتبارها قوّة ردع وطنية، مهمّتها حفظ الأمن الداخلي.
يرى المحلّل السياسي الغزّي أكرم عطا الله أن ما جرى في حيّ الصبرة، كان تعبيراً عن توازن جديد للقوّة في مجتمع ما بعد الحرب، ويقول: “القصة لم تعد صراع عائلات، بل محاولة لاستعادة الهيمنة داخل فضاء انهارت فيه البنى الاجتماعية القديمة. “حماس” تواجه اليوم فراغاً حقيقياً: لا مؤسّسات مدنية قوّية، ولا عائلات قادرة على الوساطة. والسلاح في زمن الحرب أصبح بالنسبة إليها المرجعية الوحيدة، ولذلك ستفعل كلّ ما يلزم للبقاء في السلطة، حتى لو كان الثمن استخدام العنف المفرط في الداخل الغزّي”.
هذه القراءة تضع الإعدامات في سياق أوسع من مجرّد حدث أمني، فالمشهد كما يشرح عطا الله “هو تأكيد أن “حماس” لا تتقاسم السلاح مع أحد، وأن العنف هو رسالة إلى الداخل أكثر منه إلى الخارج، وجزء من هويّة الحكم الحمساوي في غزّة”.
وإذا كانت الحركة قد بنت سلطتها منذ انقلابها على السلطة الفلسطينية في عام 2007 عبر خطاب “المقاومة”، فإنها اليوم تعيد تعريف السلاح بوصفه أداة شرعية للسيطرة.
القانون في مواجهة الرصاص
بيانات وزارة الداخلية في غزّة التي صدرت بعد حادثة الصبرة، وصفت الإعدامات بأنها “عمليّة دقيقة” استهدفت “متورّطين”، بلغة توحي بأن ما حدث كان إجراء أمنياً اعتيادياً لا جريمة علنية.
في المقابل، أصدر مركز “الميزان لحقوق الإنسان” في 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، بياناً دان فيه الإعدام العلني، داعياً إلى “احترام سيادة القانون ومنع القتل خارج نطاق القضاء”، مؤكّداً أن “مثل هذه الأفعال تُقوّض أيّ أساس لعدالة حقيقية في القطاع”.




اترك تعليقاً