حين غاب القانون… ضاعت الحقوق
بقلم | محمد مهلهل الياسين
– تعارض المصالح وبداية تاكل الحقوق
لم يكن ضياع الحقوق خلال العقود الخمسة والثلاثين الماضية حدثا عارضا، بل نتيجة طبيعية لتعارض المصالح وتداخل الادوار وغياب الحزم في تطبيق القانون. ففي ظل هذا الخلل، ضاعت الحدود بين الصلاحية والمصلحة، وتحولت بعض المواقع العامة من ادوات لخدمة المجتمع الى مساحات نفوذ، فاختلت العدالة، وتراجعت الثقة، وبدا الحق يفقد ملامحه الواضحة.
– حين تحولت الاستثناءات الى قاعدة
في كثير من نواحي الحياة، لم يعد النظام هو المرجع، بل الاستثناء. فشهدت الادارات تجاوزا للدور الوظيفي، وتمرير قرارات لا تستوفي شروطها، وتعطيل اجراءات مكتملة بذريعة الحاجة او الظروف. واصبح المشهد يتكرر حتى ترسخت قناعة خطيرة مفادها ان الالتزام بالنظام يؤخر صاحبه، بينما الالتفاف عليه يفتح الابواب.
– الواسطة كبديل غير معلن للقانون
مع غياب التطبيق الصارم، صعدت الواسطة والمحسوبية لتصبح بديلا غير معلن للقانون. فحصل اشخاص على فرص لا يستحقونها، بينما اقصي مستحقون لغياب الدعم او النفوذ. ولم يقتصر هذا السلوك على التوظيف او الترقية، بل امتد الى الخدمات والمشاريع واتخاذ القرار، حتى بات السؤال غير المعلن هو من يقف خلفك لا ما هو حقك.
– تعارض المصالح واثره على المال العام
لم يهدر تعارض المصالح الحقوق فقط، بل الحق ضررا مباشرا وغير مباشر بالمال العام. فكم من مشروع تعثر بسبب سوء اختيار القيادات، وكم من عقد تضخم بسبب قرارات غير مدروسة، وكم من تكلفة اضافية دفعت نتيجة مجاملة او تساهل. وهي ممارسات استنزفت موارد يفترض انها مخصصة للتنمية وخدمة الاجيال القادمة.
– تاكل الثقة وتداعياته الاجتماعية
ومع تراكم هذه الممارسات، تاكلت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وبرز شعور عام بان الحقوق لا تحمى بالقانون بل بالعلاقات، وهو ما انعكس في عزوف كفاءات عن العمل العام، وتراجع المبادرة، وضعف الانتماء المؤسسي. فالمجتمع الذي لا يثق بعدالة نظامه لا يمكن ان يحقق استقرارا او تنمية مستدامة.
– التحول الجذري وسيادة القانون
اما اليوم، فقد بدا مشهد مختلف يتشكل. اذ عرف الجميع حجمه الحقيقي، وحدود دوره، ومسؤوليته القانونية. ولم يعد هناك مجال للاجتهاد الشخصي او الاستثناء، لان سيادة القانون اصبحت هي الحاكمة، والتطبيق بات شاملا لا يفرق بين موقع او اسم. فالحق لم يعد يمنح، بل يستخرج تلقائيا من النظام.
– الاتمتة وانتهاء عصر البيروقراطية
لعبت انظمة الاتمتة والتحول الرقمي دورا حاسما في هذا التحول. فقد قلصت التدخل البشري، واغلقت منافذ تعارض المصالح، وربطت الاجراء بالنظام، والنظام بالرقابة. فلم يعد من السهل تعطيل معاملة او تمرير اخرى وفق المزاج، لان القاعدة تطبق على الجميع دون استثناء.
– من معالجة مؤقتة الى استدامة حقيقية
هذا التحول لم يكن اصلاحا اداريا عابرا، بل انتقالا من عقلية المعالجة المؤقتة الى منطق الاستدامة. فالحقوق حين تحمى بالقانون، والموارد حين تدار بالحوكمة، والمؤسسات حين تعمل بالانظمة لا بالاشخاص، تصبح الدولة قادرة على الاستمرار لا على ترحيل الازمات.
ختاما :
ان ما ضاع من حقوق في الماضي لم يكن بسبب القانون، بل بسبب غيابه او تعطيله. وما يتحقق اليوم من انضباط وعدالة هو نتيجة مباشرة لتطبيق القانون دون استثناء، مدعوما بالتحول الرقمي الذي جفف منابع البيروقراطية وتعارض المصالح. والدرس الاهم ان الحفاظ على هذا المسار ليس خيارا، بل ضرورة، حتى لا تعود الحقوق رهينة النفوذ، ولا تعود القوانين حبرا على ورق.



اترك تعليقاً