جزاء الإحسان.. عندما تصبح “الفزعة” درساً قاسياً في زمن الجحود
حين يرتجف الصوت وتدمع العين، وتنسكب العبرات استعطافاً واستنجاداً، تذوب قسوة القلوب وتتحطم حصون الحذر أمام إنسانية الإنسان. يأتيك أحدهم مُحطماً، يرتدي ثوب العجْز، ويلتصق بعبارات الاستجداء: “أنت المنقذ.. ليس لي سواك.. انا في مصيبة عظيمة!” ارجوك سلفني واعدك بالسداد بعد اسبوع من الان ، هنا لا يملك صاحب المروءة إلا أن يلبي النداء، متكئاً على أصيل معدنه، ليجد نفسه (دون أن يدري) يغرس نبته الكريمة في أرض قاحلة لا تُنبت إلا الجحود
– بين حر المال ودموع الاستعطاف
القصة التي نقلها لي الصديق، تعكس بدقة مرآة واقعنا المؤلم اليوم الصديق الرجل البسيط الذي لا يملك من حطام الدنيا إلا إيجارات محلاته التجارية ورواتب موظفينه ، ذلك المال المرتبط والتزامات العيش والرزق ، وجد نفسه أمام مأزق إنساني خانق دمعة صديقه المستنجد به كانت أقوى من كل الحسابات، ووعده بالسداد بعد أسبوع كان كافياً ليزيل تردد صاحب المال، الذي وضع رقبته تحت مقصلة الالتزام لإنقاذ من ظنه أهلاً للثقة وانه كفو ويستاهل الفزعة !
مر الأسبوع، وتلاحقت الأسابيع، ثم توارت الشهر خلف الشهر، حتى أكملت الدائرة عاماً كاملاً. عام من التهرب، من تجاهل الاتصالات، ومن الاختفاء المريب خلف جدران التهرب والمماطلة.
– صدمة المجلس.. وموت المروءة
لم تكن الفاجعة في ضياع المال فحسب، بل في قسوة الصدمة وحجم الخيبة. حين ضاقت السبل بصاحب الحق، قاده خطاه إلى مجلس ذلك المدين، ليراه جالساً بكامل هندامه وهيبته، غير آبه بما اقترفه، وغير مكترث بما ألحقه بصديقه من ضيق وهم.
وقف صاحب الحق مذهولاً أمام هذا الجحود السافر.. لحظات صمت قصيرة اختصرت رواية طويلة من خيبة الأمل. لم يتكلم، ولم يفتعل مشاجرة، بل استجمع كرامته، وردد جملة واحدة تحمل في طياتها معاني العتب الأخير:
“شكرًا! واكرمك الله”، ثم استدار وخرج من الباب، مولياً وجهه شطر القناعة بأن الدرس قد وُقّع بدم القلب وجيب المال.
حين ننعى النخوة مثل هذه المواقف تترك في النفس ندوباً لا تُطمس، وتطرح أسئلة مؤلمة تتقاطع مع واقعنا الاجتماعي:
أين ذهبت معاني المروءة والشهامة؟
متى أصبح إحسان المرء وثاقه الذي
يُقيد به؟
ولماذا تحول الاستدانة في أحيان كثيرة إلى اختبار فاشل للذمم؟
إن الجريمة الأكبر التي يرتكبها أمثال هؤلاء المدينين المُماطلين لا تكمن فقط في الاستيلاء على الحقوق المادية، بل في قتل “الفزعة” في نفوس أصحابها. حين يُقابل الإحسان بالجحود، يتراجع صاحب النخوة خطوة إلى الوراء في المرة القادمة، وتتراجع معه قيم التكافل الاجتماعي التي طالما تميزت بها مجتمعاتنا الأصيلة.
لقد خرج ذلك الرجل من المجلس واضعاً حداً لقصة استغلال، لكنه ترك خلفه تساؤلاً مجتمعياً عريضاً إن حفظ الحقوق ليس ترفاً قانونياً فحسب، بل هو صمام أمان للأخلاق والروابط الإنسانية. ومن يبيع ضميره وكرامة صديقه من أجل حفنة مال، إنما يحفر بيده قبراً لمروءته التي لن تعود، ليبقى الدرس خالداً: أن تندم على إحسانٍ وضعته في غير أهله، أهون بكثير من أن تفقد إنسانيتك مثله




اترك تعليقاً