القيادة بروح “موسم الرياض”تركي آل الشيخ يكتب ويرسم مشهد الإعلام العربي الحديث
بقلم | فهد المجلية رئيس تحرير وربة نيوز
في عالم تتسابق فيه الأمم لصياغة سرديتها، وصناعة قوتها الناعمة بأحدث الأدوات، تظل دول الخليج العربي وفي طليعتها الكويت، قبالة منعطف تاريخي حاسم يتطلب عقليات استثنائية من العيار الثقيل؛ عقول تفهم أن معارك اليوم لا تُخاض على الطاولات الدبلوماسية التقليدية وحدها، بل تُدار عبر شاشات المنصات، وفضاءات الترفيه، وقبضة محنكة تقود الإعلام والفن نحو هدف وطني جامع لا يقبل القسمة على اثنين.
وهنا بالضبط يبرز اسم معالي المستشار تركي آل الشيخ، كنموذج فريد لرمزية القائد الذي لم يكتفِ بإدارة مؤسسة، بل أعاد هندسة المشهد الثقافي والإعلامي الإقليمي بأسريّه.
كيف صار “موسم الرياض” منصة السيادة؟
حين أُطلق “موسم الرياض” ظن البعض أنه مجرد احتفال عابر للبهجة والفن لكن الأيام أثبتت أنه كان مشروع أمن قومي وثقافي متكامل الأركان. لقد استطاع تركي آل الشيخ بذكاء حاد وبصيرة نافذة أن يحول “الترفيه” إلى رافعة استراتيجية، و”الفن” إلى سفير صامت يصول ويجول في وجدان الشارع العربي
ولم يكن النجاح محصوراً في التنظيم المبهر أو الأرقام القياسية، بل في تلك القدرة المذهلة على توجيه البوصلة الإعلامية العربية جمعاء نحو الرياض. لقد وجد إعلاميو العرب وفنانوهم أنفسهم طوعاً أو رهبةً من هيبة الإنجاز جزءاً من سردية سعودية كبرى تروج للمملكة وتخدم قضاياها الكبرى، دون أن يُطلق تصريح سياسي واحد، بل عبر أغنية، ومسرحية، ومهرجان عالمي يخطف الأنفاس صار الرجل هو الآمر الناهي في صناعة المزاج العام، ليس بالقوة الخشنة، بل بسطوة “صناعة الحدث” الذي لا يستطيع أحد تجاوزه أو الالتفاف عليه
“المرتزقة الجدد” إعلام الهوان الذي يُباع ويُشترى
وإن كان لتركي آل الشيخ الفضل في بناء هذا الصرح الإعلامي والفني الشامخ، فإن المشهد لا يكتمل دون الالتفات ببعض السخرية اللاذعة إلى أولئك “الجهابذة” الذين ملؤوا الفضائيات العربية صراخاً وشعارات رنانة على مدار عقود هؤلاء القوم الذين كانوا يدّعون الاستقلالية، ويزايدون على كل نبض وطني، رأيناهم كيف تحولوا بين عشية وضحاها وبمجرد أن أضاءت أنوار بوليفارد الرياض إلى باحثين شغوفين عن رضا المنظمين، متسابقين على التقاط الصور التذكارية بجانب “أبو ناصر”، متناسين كل خطاباتهم الحماسية الزائفة فنانون وإعلاميون كانوا حتى الأمس القريب يبيعون مواقفهم لمن يدفع أكثر، فصدمهم رجل واحد بقدرته على إسكات أصواتهم المزعجة وإخضاع أجنداتهم لخدمة البوصلة السعودية بضربة معلم، ليكتشف الجميع أن “طابور العرض” الإعلامي العربي أسهل بكثير مما كان يُظن، وأن كثيراً من “النجوم” لم يكونوا سوى أحجار شطرنج تنتظر اللاعب الماهر ليحركها كيفما شاء.
هل تحتاج الكويت لـ “تركي آل الشيخ” خاص بها؟
اليوم، ونحن نتابع بحسد إيجابي واعتراف بالحق هذا الأثر العميق، نتساءل في الكويت بمرارة واضحة: ألا نملك من الكفاءات والثروات ما يكفينا؟ بلى والله، فتاريخ الكويت الإعلامي والثقافي كان ولا يزال رائد المنطقة ومُلهمها.
لكننا اليوم في أمس الحاجة الماسة إلى شخصية قوية، جريئة، تملك ذات الحصافة والجرأة والقدرة على اتخاذ القرار، شخصية لا تهاب البيروقراطية ولا تحسب حساباً لترضيات صالونات النميمة الثقافية. نحتاج إلى عرّاب كويتي يكسر القوالب البالية، ويوظف إعلامنا وفننا وثروتنا البشرية الهائلة لخدمة مشروع وطني إستراتيجي، يعيد للكويت ألقها الإعلامي، ويجعل من قرارها الثقافي والفني مرجعاً لا يُطاول.
إننا بحاجة إلى من يضع حداً لتخبطات المنابر الإعلامية، ويجعل الفن الكويتي والخليجي رافعة سياسية واجتماعية تخدم القضايا الكبرى بلا تردد. فهل ترتجل الكويت قريباً رجلها الذي يعيد ترتيب الأوراق، ويجعل إعلاميي الإثارة والفضائيات المأجورة يهرعون صاغرين نحو منصة الإنجاز الكويتي الجديد؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة


اترك تعليقاً